الاسطورة الضائعة

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
لا تمثل حياته القصيرة سيرة دقيقة لاحوال السود في اميركا، لكنها تعبر عن حقبة مضطربة من تاريخهم.. انتهت بوصول اول رئيس اسود الى البيت الابيض، لكنها ظلت تحفظ ذكريات مؤلمة عن كفاح طويل من اجل المساواة خاضه مغني البوب الأهم في العالم مايكل جاكسون على طريقته المثيرة للجدل، التي كادت تحجب صعود النجم باراك اوباما على مسارح السياسة الاميركية.
 
وبرغم أن ملايين الاميركيين ومثلهم من مختلف انحاء العالم بكوا رحيل الاسطورة الفنية مايكل جاكسون وارتدوا الاسود حداداً، وبرغم ان وفاته كان خبراً رئيسياً في جميع وسائل الاعلام التي استعادت محطاته من حياته المضطربة ومن اعماله الغنائية المؤثرة، فإن نهايته لم تكن مفجعة بقدر ما كانت مفاجئة، ولم تثر سوى الاسئلة القديمة حول رصيده وتراثه الذي لا يمكن ان ينسب لأي كيان او جماعة او اتجاه فني.
 
لم تكن بدايته مع اشقائه الخمسة في ستينيات القرن الماضي، سوى تعبير عن حاجة اميركا واوساطها الفنية البيضاء الى المصالحة مع فنون السود والاعتراف بثقافتهم، بعد الاعتراف بحقوقهم المدنية وأحلامهم السياسية التي حملها رائدهم مارتن لوثر كينغ. كان فريق «الجاكسون فايف» في ذلك الوقت اكتشافاً مسلياً اكثر مما كان اختراقاً غنائياً باهراً بالمقارنة مع ما كانت تلك البيئة السوداء تنتجه من اغنيات وألحان وقصائد خالدة.
 
لكن تميز مايكل في ما بعد عن بقية اشقائه الاربعة الذين يكبرونه سناً نتج عن اتجاهه نحو الاندماج في الاغنية البيضاء، اذا جاز التعبير، فصنع مجده الفني من خلال المؤسسة البيضاء التي تقبلته ورعته ودفعته الى الواجهة في الثمانينيات، وهي الفترة التي قاد فيها مايكل ظاهرة غريبة لدى الشبان والفتيات السود هي اللجوء الى تبييض بشرتهم للتعبير عن نهاية معركتهم ضد العنصرية وإعلان الاستسلام واستعدادهم للانخراط في المجتمع الذي طالما نبذهم.
 
في تلك الفترة حل مايكل جاكسون ضيفا على الرئيس الاميركي رونالد ريغان في البيت الابيض، وصار رمزا يستخدمه المحافظون في حملاتهم لنشر الثقافة الاميركية في دول المعسكر الاشتراكي، قبل ان يرموه بعيدا عندما حققوا فتوحاتهم العالمية، ما ادى الى تراجع اعماله الغنائية وزاد من اضطراب شخصيته المهزوزة اصلا، والتي بلغت حد اتهامه بالتحرش الجنسي بالاطفال وتجريده من ثروته المالية ما اضطره الى سلوك الطريق الذي سلكه بعض الاميركيين السود المضطهدين، اي اعتناق الاسلام، كما هو شائع وغير ثابت تماما، واللجوء الى بعض معجبيه العرب الخليجيين لطلب المال، من اجل اكمال مسيرته الفنية التي كانت لحظة وفاته على وشك انطلاقة جديدة.
 
بعض اغنياته ورقصاته دخلت تاريخ الفن، وسحرت المراهقين في مختلف انحاء العالم. لكن مايكل جاكسون لم يكن مضطهدا تماما، بل عمد الى التخلي عن لون بشرته وعن هويته لكي يسترضي المؤسسة التي لم تستطع ان تنل من عمالقة من السود الاميركيين الذين قدموا اجمل ما انتجته اميركا من موسيقى وغناء ورقص وشعر.
ساطع نور الدين
السفير
No votes yet